فخر الدين الرازي

7

تفسير الرازي

صفة من الصفات ولا في نعت من النعوت ، فقال : * ( وهو العلي العظيم ) * إشارة إلى ما بدأ به في الآية من كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته مقوماً لغيره ، ومن أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلهية كلام أكمل ، ولا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات . وإذا عرفت هذه الأسرار ، فلنرجع إلى ظاهر التفسير . أما قوله * ( الله لا إله إلا هو ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : * ( الله ) * رفع بالابتداء ، وما بعده خبره . المسألة الثانية : قال بعضهم : الإله هو المعبود ، وهو خطأ لوجهين الأول : أنه تعالى كان إلهاً في الأزل ، وما كان معبوداً والثاني : أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله * ( إنكم وما تعبدون من دون الله ) * ( الأنبياء : 98 ) بل الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة . أما قوله * ( الحي ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : الحي أصله حيي كقوله : حذر وطمع فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما ، وقال ابن الأنباري : أصله الحيو ، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكناً فجعلنا ياء مشددة . المسألة الثانية : قال المتكلمون الحي كل ذات يصح أن يعلم ويقدر ، واختلفوا في أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا ، فقال بعضهم : إنه عبارة عن كون الشيء بحيث لا يمتنع أنه يعلم ويقدر ، وعدم الامتناع لا يكون صفة موجودة ، وقال المحققون : ولما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع ، وقد ثبت أن الامتناع أمر عدمي ، إذ لو كان وصفاً موجوداً لكان الموصوف به موجوداً ، فيكون ممتنع الوجود موجوداً وهو محال ، وثبت أن الامتناع عدم ، وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع . وثبت أن عدم العدم وجود ، لزم أي يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة وهو المطلوب . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم ويقدر ، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات ، فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات . والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة ، بل كل شيء كان كاملاً في جنسه ، فإنه يسمى حياً ، ألا ترى أن عمارة الأرض الخربة تسمى : إحياء الموات ، وقال تعالى : * ( فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ) * ( الروم : 50 ) وقال : * ( إلى بلد ميت فأحيينا به